فصل: (فرع: وجود عيب بالشقص بعد أخذه بالشفعة)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان في مذهب الإمام الشافعي



.[مسألة: تصرف المشتري بالشقص قبل علم الشفيع]

إذا اشترى رجل شقصا فيه شفعة، فلم يعلم الشفيع بالشراء حتى تصرف المشتري بالشقص. نظرت:
فإن تصرف فيه تصرفا لا تستحق فيه الشفعة، بأن وهبه من غيره، أو أجره.. فللشفيع أن يفسخ تصرفه، ويأخذه بالشفعة؛ لأن استحقاقه للشفعة سابق لتصرف المشتري، وهكذا: لو وجد به المشتري عيبا، فرده بالعيب، ثم علم الشفيع.. فله أن يفسخ ذلك، ويأخذه بالشفعة؛ لأن حقه سابق للفسخ.
وإن وقفه المشتري.. ففيه وجهان:
(أحدهما): قال الماسرجسي: يصح الوقف، وتبطل الشفعة؛ لأن الشفعة إنما ثبتت في المملوك، والوقف غير مملوك، فبطلت فيه الشفعة.
والثاني - وهو قول عامة أصحابنا، وهو الصحيح -: أن للشفيع أن يبطل الوقف، ويأخذ الشفعة، كما تبطل الهبة؛ لأن استحقاقه للشفعة سابق لوقف المشتري.
وإن تصرف المشتري فيه تصرفا تثبت فيه الشفعة، بأن باعه، أو جعله مهرا في نكاح أو عوضا في خلع، أو أجرة في إجارة.. فالشفيع بالخيار: بين أن يفسخ
التصرف الثاني، ويأخذ بالشفعة بالتصرف الأول، وبين أن يقر العقد الأول، ويأخذ بالشفعة بالتصرف الثاني؛ لأنه يستحق الشفعة بكل واحد منهما، فخير بينهما، فإن اختلف المشتري والبائع في الثمن، فتحالفا، وفسخ البيع ورجع الشقص إلى البائع فللشفيع أن يأخذ الشقص بالثمن الذي حلف عليه البائع؛ لأن البائع أقر للمشتري بالملك بالثمن الذي حلف هو عليه، وللشفيع بالشفعة به فإذا رد المشتري إقراره بذلك.. بقي حق الشفيع، فكان له الأخذ به.

.[فرع: موت المشتري بعد أن أوصى بالشقص]

فقدم الشفيع فيقدموإن اشترى شقصا فيه شفعة، ثم أوصى به المشتري ومات، فحضر الشفيع والموصى له يطالبان بالشقص... قدم الشفيع؛ لأن حقه سابق؛ لأنه يثبت بالشراء، فإذا أخذ الشفيع الشقص بالثمن.. كان الثمن للورثة دون الموصى له؛ لأنه إنما وصى له بالشقص دون الثمن.

.[فرع: دار لثلاثة: لواحد نصف وللباقيين لكل ربع فباع أحدهما حصته]

وإن كان دار بين ثلاثة شركاء: لواحد نصفها، ولكل واحد من الآخرين ربعها، فاشترى صاحب النصف من أحد الشريكين ربع الدار، والشريك الثالث غائب، ثم باع الشريك المشتري ربع الدار - وهو ثلث ما بيده من الدار - من رجل، فقدم الشريك الغائب.. فله أن يطالب بالشفعة في البيع الأول، ويعفو عن الثاني، وله أن يطالب بالشفعة في البيع الثاني، ويعفو عن الأول، وله أن يطالب بالشفعة في البيع الأول والثاني.
فإن اختار أن يطالب بالشفعة في البيع الأول، ويعفو عن الثاني، وإن قلنا بالمذهب: إن المشتري إذا كان أحد الشريكين لا يستحق الشفيع الآخر جميع الشقص، فإن قلنا: إن الشقص يقسم بين الشفعاء على الرؤوس فإن الشفيع القادم يستحق نصف الربع المبيع وهو الثمن إلا أن هذا الثمن قد حصل ثلثه في يد المشتري الثاني؛ لأنه اشترى ثلث ما بيد الأول، وثلثا الثمن باق في يد الشريك المشتري، فيكون للشفيع أن يأخذ ذلك حيث وجده، وأقل عدد يخرج منه ثلث الثمن: أربعة وعشرون، فمع صاحب النصف اثنا عشر، ومع المشتري منه ستة، ومع الشفيع ستة، فيأخذ الشفيع من صاحب النصف سهمين، ويبقى معه عشرة، ويأخذ من المشتري سهما يفسخ فيه البيع، ويبقى معه خمسة، فيجتمع مع الشفيع تسعة.
وإن قلنا: إن الشفعة تقسم على قدر الأملاك.. فإن لصاحب النصف ثلثي الربع الذي اشتراه، ولشريكه ثلثه، وأقل عدد يخرج منه ثلثا الربع: اثنا عشر، للمشتري ثلثا الربع وهو سهمان، وللشفيع ثلث الربع وهو سهم، وفي يد الشريك المشتري من هذا السهم ثلثاه، وفي يد المشتري منه ثلثه، فاضرب اثني عشر في ثلاثة.. تصبح ستة وثلاثين: لصاحب النصف ستة في ثلاثة.. فذلك ثمانية عشر، وللمشتري منه ثلاثة في ثلاثة.. فذلك تسعة، وللشفيع بحق الملك ثلاثة في ثلاثة.. فذلك تسعة، ويأخذ بحق الشفعة ثلث الربع وهو ثلاثة أسهم ثلثاها من صاحب النصف وهو سهمان، فيبقى معه ستة عشر، وثلثها وهو سهم من المشتري الثاني، فيبقى معه ثمانية، ويصير مع الشفيع اثنا عشر سهما وإن طلب الشفيع بحقه من الشفعة في البيع الثاني، وعفا عن الأول.. أخذ جميع الربع من المشتري الثاني، فصار له نصف الدار، ولشريكه نصفها.
وإن طلب بحقه من الشفعة في البيعين الأول والثاني.. أخذ جميع الربع الذي بيد المشتري الثاني، وكم يأخذ من صاحب النصف؟
إن قلنا: إن الشفعة تقسم على عدد الرؤوس.. أخذ منه ثلثي ثمن الدار، وهو سهمان من أربعة وعشرين سهما من الدار.
وإن قلنا: إن الشفعة تقسم على قدر الأملاك.. أخذ منه سهمين من ستة وثلاثين سهما من الدار.

.[مسألة: البناء أو الغرس في الشفعة بعد المقاسمة]

قال الشافعي: (ولو قاسم وبنى.. قيل للشفيع: إن شئت.. فخذ بالثمن وقيمة البناء اليوم، أو دع).
وجملة ذلك: أن الشافعي ذكر: أن المشتري إذا قاسم وميز نصيبه، فبنى فيه أو غرس، ثم طالبه الشفيع بالشفعة. فاعترض المزني وغيره على الشافعي، وقالوا: كيف تصح المقاسمة مع بقاء الشفعة؟
فقال أصحابنا: يتصور ذلك في أربع مسائل:
إحداهن: أن يظهر له المشتري أنه اشترى الشقص بثمن كثير، فترك الشفيع الشفعة وقاسم المشتري، فبنى المشتري أو غرس، ثم بان للشفيع أن الثمن دون ذلك، فإن شفعته لا تبطل.
الثانية: أن يظهر له أنه اتهب الشقص، فقاسمه الشريك، فبنى أو غرس، ثم بان له أنه اشترى.
الثالثة: إذا وكل وهو في السفر من يطالب بالشفعة، فرأى الوكيل أن الحظ في ترك الشفعة، فترك وقاسم الوكيل - وقد وكله على ذلك - فقدم الشفيع، وبان أن الحظ له في الأخذ بالشفعة. أو كان هذا في الشفعة على المولى عليه، ورأى الولي ترك الشفعة، فقاسم، وبنى المشتري أو غرس، ثم زال الحجر عن المولى عليه، وأقام البينة: أن الحظ كان له أن يأخذ الولي.
الرابعة: إذا كان الشفيع غائبا، فجاء المشتري إلى الحاكم، وسأله: أن يقسم بينه وبين الغائب، فأمر الحاكم من قاسم عن الغائب، فبنى المشتري أو غرس، وقدم الشفيع.
إذا ثبت ما ذكرناه: فإن الشفيع إذا اختار الأخذ بالشفعة، فإن البناء أو الغراس للمشتري؛ لأنه عين ملكه، لم يدخل في الشراء.
فإن اختار المشتري قلع البناء والغراس.. كان له ذلك، لأنه ملكه، ولا يلزمه تسوية الأرض؛ لأنه غير متعد بذلك، فإن اختار الشفيع أخذ الشقص ناقصا بجميع الثمن.. فلا كلام، وإلا.. فلا شفعة له.
وإن لم يختر المشتري قلع البناء أو الغراس.. كان الشفيع بالخيار بين ثلاثة أشياء: بين أن يترك أخذ الشفعة. وبين أن يأخذ الشقص بالشفعة، ويتملك معه البناء أو الغراس بقيمته في هذه الحالة. وبين أن يأخذ الشقص بالثمن، ويجبر المشتري على قلع البناء أو الغراس، ويضمن له ما نقص بالقلع؛ لأن الضرر يزول عنهما بذلك.
فإن أراد الشفيع إجبار المشتري على قلع البناء أو الغراس، ولا يضمن له شيئا.. لم يجبر المشتري على ذلك، وبه قال النخعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق.
وقال الثوري، وأبو حنيفة، والمزني: (يجبر المشتري على قلعه من غير ضمان عوض).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس لعرق ظالم حق». وهذا ليس بظالم.
ولأنه بنى أو غرس في ملكه الذي يملك بيعه، فلم يجبر على قلعه من غير ضمان، كما لو غرس في أرض له، لا شفعة فيها لغيره.

.[فرع: ادعاء عمل البناء في الشفعة]

إذا ادعى المشتري: أن هذا البناء أحدثه بعد الشراء، وقال الشفيع: بل كان موجودا عند البيع.. قال أبو العباس: فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأن ذلك ملكه، والشفيع يريد تملكه عليه، فكان القول فيه قول المالك.

.[مسألة: شراء شقص فيه شجر]

إذا اشترى رجل شقصا من أرض فيها نخل أو شجر.. فقد ذكرنا: أنه يدخل في البيع بالشرط، أو بالإطلاق على المذهب، وتثبت فيه الشفعة تبعا للأرض، فإن جاء الشفيع، وقد زاد ذلك في يد المشتري، فإن كانت زيادة غير متميزة، بأن طال الشجر وامتلأ.. فإن الشفيع يأخذ الشجر بزيادته؛ لأنها زيادة لا تتميز، فتبعت الأصل، كالرد بالعيب. وإن كانت الزيادة ثمرة.. نظرت:
فإن كانت الثمرة ظاهرة، بأن كانت ثمرة نخل قد أبرت.. فإن الثمرة للمشتري؛ لأنها ثمرة ظاهرة حدثت في ملكه.
وإن كانت غير ظاهرة، بأن كانت الثمرة غير مؤبرة.. ففيه قولان:
أحدهما قال في القديم: (للشفيع أن يأخذها؛ لأنها ثمرة غير ظاهرة، فهي كالشجر إذا طال).
والثاني: قال في الجديد: (ليس للشفيع أن يأخذها؛ لأنه نماء تميز عن أصله وظهر، فهو كالطلع المؤبر).

.[مسألة: تؤخذ الشفعة قهرا]

إذا وجبت له الشفعة في شقص.. فله أخذه من غير حاكم ولا رضا المشتري، وقد مضى الخلاف فيها لأبي حنيفة، والدليل عليه. فإن كان المشتري قد قبض الشقص من البائع.. فللشفيع أن يأخذ الشقص منه، ولا خلاف أنه لا خيار للمشتري في ذلك؛ لأنه يؤخذ منه بغير رضاه، وأما الشفيع: فلا يثبت له خيار الثلاث؛ لأن ذلك يثبت بالشرط برضا المتعاقدين، والشقص يؤخذ من المشتري بغير رضاه، ولكن هل يثبت للشفيع خيار المجلس بعد عقد الشفعة؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما في (البيع).
وإن كان المشتري لم يقبض الشقص من البائع.. وجب على المشتري تسلمه من البائع، وتسليمه إلى الشفيع، فإن غاب المشتري أو امتنع من القبض.. قال ابن الصباغ: أقام الحاكم من يستلمه للمشتري، ويسلمه إلى الشفيع، فإن حكم الحاكم بتسليمه على البائع إلى الشفيع، فتسلمه منه الشفيع.. كان كما لو تسلمه المشتري، وسلمه إلى الشفيع.
وإن قال الشفيع: لا أقبضه إلا من المشتري.. ففيه وجهان لأبي العباس:
أحدهما: له ذلك؛ لأن الشفيع بمنزلة المشتري من المشتري، فيلزمه أن يسلم بعد قبضه.
وعلى هذا: فالحاكم يكلف المشتري تسلمه، وتسليمه إلى الشفيع.
والثاني: يأخذه الشفيع من يد البائع، فلا يكلف المشتري قبضه؛ لأن الشقص حق للشفيع، فحيث وجده.. أخذه. ولأن يد الشفيع كيد المشتري؛ لأنه استحق قبض ذلك من جهته، فهو كما لو وكل وكيلا في القبض، ألا ترى أنه إذا قال: أعتق عبدك عن ظهاري، فأعتقه.. صح، وكان المأمور كالقابض له؟
وأما الشيخ أبو إسحاق فقال: هل يجوز للشفيع أن يأخذ الشقص من يد البائع؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه قد استحقه.
والثاني: لا يجوز، بل يجبر المشتري على قبضه ليأخذه الشفيع منه؛ لأنه إذا أخذه الشفيع من البائع.. فات التسليم المستحق بالبيع، فلا يثبت الشفعة.

.[فرع: وجود عيب بالشقص بعد أخذه بالشفعة]

وإذا قبض الشفيع الشقص، ثم وجد به عيبا، فإن لم يعلم به المشتري، ولا الشفيع.. فللشفيع أن يرده على المشتري، وللمشتري أن يرده على البائع؛ لأن مقتضى العقدين سلامته من العيب. وإن علم به المشتري، ولم يعلم به الشفيع، ثم علم به.. فللشفيع أن يرده على المشتري، وليس للمشتري أن يرده على البائع؛ لأن المشتري.. قد رضي به والشفيع لم يرض به وإن علم به الشفيع ورضي به ولم يعلم به المشتري.. فليس لواحد منهما أن يرده؛ أما الشفيع: فلأنه رضي به، وأما المشتري: فلأنه لا يرد ما ليس بيده.

.[فرع: استحقاق الشقص بعد أخذه بالشفعة]

فإن أخذ الشفيع الشقص، ودفع الثمن، فخرج الشقص مستحقا.. فإن الشفيع يرجع بالعهدة على المشتري سواء أخذ الشقص من يد المشتري أو من يد البائع، ثم يرجع المشتري بالعهدة على البائع، وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، وأحمد.
وقال ابن أبي ليلى: تجب عهدة الشفيع على البائع بكل حال.
وقال محمد: إن أخذ الشفيع الشقص من يد المشتري.. رجع بالعهدة عليه، وإن أخذه من البائع.. رجع بالعهدة عليه.
دليلنا: أن الشفعة مستحقة على المشتري، فكان له الرجوع بالعهدة عليه كما لو قبضه منه، أو كما لو اشتراه منه.

.[مسألة: وجدت الشفعة فمات قبل العلم]

إذا ثبت له الشفعة في شقص، فمات قبل أن يعلم بالشراء، أو قبل أن يتمكن من الأخذ.. انتقل ذلك إلى وارثه، وبه قال مالك، وعبيد الله بن الحسن العنبري.
وذهب الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وأحمد إلى: أن الشفعة تبطل بالموت.
دليلنا: أنه خيار ثابت لدفع الضرر عن المال، فانتقل إلى الوارث، كخيار الرد بالعيب.
فقولنا: (ثابت) احتراز من خيار القبول، وخيار الإقالة؛ وهو أن البائع لو قال لرجل: بعتك، فقبل أن يقول المشتري: قبلت، مات. أو قال أحد المتبايعين للآخر: أقلتك، فقبل أن يقول: قبلت، مات.. لم ينتقل ذلك إلى وارثه.
وقولنا: (لدفع الضرر عن المال) احتراز من خيار اللعان؛ لأنه لدفع الضرر عن النسب، فلو نفى نسب ولد، وقبل أن يلاعن مات.. لم يقم وارثه مقامه في اللعان.
إذا ثبت هذا: فروى المزني: أن الشافعي قال: (ولورثة الميت أن يأخذوا ما كان يأخذه أبوهم بينهم على العدد، وامرأته وابنه في ذلك سواء).
واختلف أصحابنا في ذلك:
فمنهم من قال: في كيفية قسمة الشقص - الذي ثبتت له فيه الشفعة، ثم مات بين ورثته - قولان:
أحدهما: على قدر فروضهم.
والثاني: على عدد الرؤوس، فيكون ما نقله المزني هاهنا هو أحد القولين: (أنها تقسم على عدد الرؤوس).
وقال أكثر أصحابنا: يقسم الشقص بين الورثة على قدر فروضهم، قولا واحدا؛ لأنهم لم يستحقوا الشفعة بالملك، وإنما استحقوها بالإرث عن الميت، وهم متفاضلون في الميراث عنه، وما نقله المزني لا يعرف.
ومنهم من تأول ما نقله المزني، فقال: قوله: (على العدد) بمعنى: أن الجماعة يستحقون ذلك، وقوله: (سواء) أراد: في أصل الاستحقاق.

.[فرع: عفو أحد الورثة عن حقه بالشفعة]

فإن ثبتت له الشفعة في شقص، ثم مات وخلف ابنين، فعفا أحدهما عن حقه من الشفعة.. ففيه وجهان:
أحدهما: تسقط الشفعة في الشقص؛ لأنهما يقومان مقام أبيهما، فلو عفا أبوهما عن بعض الشقص.. أسقطت الشفعة في جميع الشقص، فكذلك إذا عفا من يقوم مقامه.
والثاني: تسقط شفعة العافي، ويكون لأخيه أن يأخذ جميع الشقص؛ لأنها شفعة ثبتت لاثنين، فإذا عفا أحدهما عن حقه.. ثبتت الشفعة للآخر في جميع الشقص، كالشريكين، ويفارق الموروث، فإنها تثبت لواحد، فإذا عفا عن بعضها.. سقط الجميع.

.[فرع: عفو أحد الشفيعين عن حقه]

إذا كان للشقص شفيعان، فعفا أحدهما عن حقه منها، ثم مات الآخر قبل أن يتمكن من الأخذ، والعافي وارثه.. قال ابن الحداد: فللعافي أن يأخذ جميع الشقص؛ لأنه وإن عفا أول مرة، فإنما يأخذ الآن الشقص من وجه غير الوجه الذي عفا عنه، وهو بإرثه عن شريكه.
فهو كما لو قتل رجل أباه عمدا، فعفي عنه، وقد كان قتل هذا القاتل ابن أخ العافي، فمات أب المقتول، والعافي وارثه.
وكما لو كان لمورثهما على رجل دين، فأقاما شاهدا واحدا، فنكل أحدهما عن اليمين، ومات الآخر، وهذا وارثه.. كان للوارث أن يحلف مع الشاهد، ويستحق نصيب أخيه دون نصيب نفسه؛ لأنه أبطل حقه بنكوله، بخلاف الشفعة؛ لأنها لا تتبعض، والدين يتبعض.

.[مسألة: باع ثلاثة حصتهم من دار وبقي الرابع]

إذا كانت الدار بين أربعة أنفس، لكل واحد منهم ربعها، فباع ثلاثة منهم أملاكهم من ثلاثة أنفس، كل واحد باع ملكه إلى واحد بعقد في وقت واحد.. فللشفيع - وهو الشريك الرابع الذي لم يبع - أن يأخذ أيضا من شركائه كلهم بالشفعة، وله أن يأخذ بعضها دون بعض؛ لأنه لا شفيع هاهنا غيره، فإن عفا عن البعض، وأخذ البعض.. فليس لمن عفا عنه أن يشاركه فيما يأخذ؛ لأن المشترين ملكوا في وقت واحد.
وإن باع أحدهم نصيبه من رجل، ثم باع آخر نصيبه من ذلك الرجل، ثم باع ثالث نصيبه من ذلك الرجل.. قال الشيخ أبو حامد: فللشريك الرابع الذي لم يبع أن يأخذ من المشتري جميع الأنصباء؛ لأنه لا شفيع سواه، وله أن يأخذ البعض دون البعض، فإن اختار أخذ الكل دفعة واحدة.. فلا كلام، وإن أخذ الأول، ولم يعلم بالثاني، ثم علم به، وأخذه.. جاز، ولم يشاركه المشتري بالأول؛ لأن ملكه الذي يستحق به الشفعة قد زال بأخذ الشريك له، وليس له مشاركته بالثالث؛ لأن ملكه تجدد عليه بعد ثبوت الشفعة في الثاني.
وهكذا: إن أخذ الأول والثاني دفعة، ولم يعلم بالثالث، ثم علم بالثالث، وأخذه.. لم يشاركه المشتري بالثالث لأجل ملكه الأول والثاني؛ لأن ملكه قد زال عنهما.
وإن عفا عن الأول، وأخذ الثاني.. قال أبو العباس: فللمشتري أن يقاسم الشفيع بالربع الثاني، فيكون بينهما نصفين؛ لأجل بالربع الأول.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا يدل على: أن ما حكاه أصحابنا عن أبي العباس - أنه قال: إذا كان المشتري شريكا.. لا يقاسمه الشفيع -: أنه لا أصل له.
وهكذا: إن عفا عن الأول والثالث، وأخذ الثاني؛ لأن ملكه على الثالث تجدد بعد ثبوت الشفعة في الثاني.
وإن عفا عن الأول والثاني، وأخذ الثالث.. فإن المشتري يقاسمه في الثالث؛ لأجل ملكه للأول والثاني. فإن قلنا: إن الشفعة تقسم على عدد الرؤوس.. اقتسم الثالث نصفين وإن قلنا إنها تقسم على قدر الأملاك.. كان للمشتري ثلث الربع الثالث، وللشفيع ثلثاه.

.[مسألة: ادعاء أحد الشريكين الشفعة]

إذا كانت دار بين شريكين، فادعى أحدهما على شريكه: أنه ابتاع نصيبه بثمن معلوم بعد أن ملك هو نصيبه، وأنه يستحق أخذه بالشفعة، وأنكر المدعى عليه، بأن قال: ما ابتعته، وإنما اتهبته، أو ورثته، أو اشتريته، ولا يستحق على الشفعة.. فإن أقام المدعي بينة بما ادعاه.. ثبتت له الشفعة، وإن لم يكن معه بينة.. فالقول قول المدعى عليه مع يمينه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه». وكيف يحلف؟ ينظر فيه:
فإن أجاب بأنه لا يستحق عليه الشفعة.. فإنه يحلف إنه لا يستحق عليه الشفعة
ولا يكلف أن يحلف: أنه ما ابتاع؛ لأنه قد يبتاع ويستحق شريكه الشفعة، ثم يعفو ويسقط حقه، فإذا حلفناه: أنه ما ابتاع.. ظلمناه، وقد تقدم البينة على عفو الشريك.
وإن أجاب بأنه ما ابتاع.. فهل يجب عليه أن يحلف: أنه ما ابتاع، أو يجوز له أن يحلف: أنه لا يستحق عليه الشفعة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز له أن يحلفه: أنه لا يستحق عليه الشفعة؛ لأنه لو أجاب بذلك لكفاه، فكذلك في اليمين.
والثاني: يجب عليه أن يحلف: أنه ما ابتاع؛ لأنه لما أجاب بذلك.. علمنا أنه يمكنه الحلف عليه.
فإن حلف المدعى عليه.. لم تثبت الشفعة للمدعي، وإن نكل المدعى عليه عن اليمين.. حلف المدعي، واستحق الأخذ بالشفعة، وفي الثمن ثلاثة أوجه:
أحدها: يقال للمدعى عليه: قد أقر لك بالثمن، فإما أن تأخذه منه، أو تبرئه منه، كما قال الشافعي في (المكاتب): (إذا حمل إلى سيده نجما، فقال السيد: هو مغصوب.. فإن الحاكم يقول له: إما أن تأخذه، وإما أن تبرئه منه).
والوجه الثاني: أن الثمن يقر في يد المدعي؛ لأنه أقر به لمن لا يدعيه، كمن أقر لرجل بدار لا يدعيها.
والثالث: أن الحاكم يأخذ الثمن ويحفظه إلى أن يدعيه واحد منهما؛ لأن من هو بيده.. نفى أن يكون ملكا له، ومن أقر له به.. لا يدعيه، فيحفظه الحاكم إلى أن يدعيه أحدهما.
فإن قال المدعى عليه: اشتريته لفلان.. نظرت:
فإن كان المقر له حاضرا.. سئل، فإن صدقه.. كان الشراء له، والشفعة عليه، وإن كذبه.. قال ابن الصباغ: كان الشراء للذي اشتراه، وأخذ منه بالشفعة.
وإن كان المقر له غائبا.. أخذه الحاكم من المقر، ودفعه إلى الشفيع، وكان القادم على حجته إذا قدم؛ لأنا إذا وقفنا الأمر بالشفعة إلى حضور المقر له.. كان في ذلك إسقاط الشفعة؛ لأن كل مشتر يمكنه أن يدعي: أنه اشتراه لغائب.
وإن قال: اشتريته لابني الصغير، أو لطفل له عليه ولاية.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: لا تثب الشفعة؛ لأن الملك يثبت للطفل، ولا تثبت الشفعة بإقرار الولي؛ لأن في ذلك إيجاب حق في مال الصغير بإقرار الولي.
والثاني: تثبت الشفعة؛ لأنه يملك الشراء له، فصح إقراره فيه، كما يصح في حق نفسه.
وإن قال المدعى عليه: هذا الشقص لفلان الغائب، أو لفلان الصغير.. قال ابن الصباغ: لم يكن للشفيع الشفعة إلى أن يقدم الغائب، ويبلغ الصغير، فيطالبهما بذلك، ولا يسأل عن سبب ملك الغائب والصغير؛ لأن إقراره بعد ذلك إقرار في ملك الغير، فلم يقبل، ويخالف إذا أقر بالشراء لهما ابتداء؛ لأن الملك يثبت لهما بذلك الإقرار، فيثبت جميعه.
فإن قال المدعى عليه للمدعي: ليس لك ملك في الدار.. فعلى مدعي الشفعة أن يقيم البينة: أنه يملك شقصا في الدار، وبه قال أبو حنيفة، ومحمد.
وقال أبو يوسف: إذا كان في يده شيء من الدار.. استحق به الشفعة؛ لأن الظاهر مما في يده أنه ملكه.
دليلنا: أن الملك لا يثبت بمجرد اليد، وإذا لم يثبت الملك المستحق به الشفعة.. لم تثبت الشفعة، فإن أراد المدعي: أن يحلف المدعى عليه: أنه لا يعلم له شركة في الدار.. كان على المدعى عليه أن يحلف: أنه لا يعلم أن له ملكا في الدار؛ لجواز أن يخاف من اليمين، فيقر، وإن نكل عن اليمين.. حلف المدعي: أن له ملكا في الدار، وثبتت شفعته.